مجلس التعاون اليمني-الصومالي!

 

حبيب عبدالرب سروري

 

استهلَّيتُ صباح 22 مايو هذا العام بفتح الصحف اليمنية على الإنترنت. شعرتُ بالدوار حال وصولي لموقع صحيفة الثورة، التي علا صفحتَها الأولى هذا العنوانُ الكبير: تدشين 2553 مشروعاً تنموياً في احتفالات عيد 22 مايو.

أعجبني جدّاً رقم 3 على يمين 2553. لم يشأ صاحب العنوان الاكتفاء ب 2550 أو 2560، أو حتى 2500، كما جرت العادة عند التقريب المتداول في كل مكان في العالم، لاسيّما عندما تكون نسبة التقريب مجاورة لواحد على الألف. أبداً. الحساب بهذا البلد شديدُ الدقّة، مليمتريٌّ جدّاً. لا يوجد مزاحٌ في اليمن عند عدِّ المشاريع التنموية.

لأني أحبُّ الأرقام، حاولت أن أقوم بعمليّةٍ حسابية صغيرة لعدد هذه المشاريع منذ 15 عام في ضوء الأرقام الرسمية التي تظهر في كلِّ الأعياد الوطنية. اكتفيت ب 2500 مشروع فقط لعيد 22 مايو لِهذا العام، تاركاً الزايد لهم، حتى لا أثقل العد ولا أفقد متابعة القارئ. يكفي ضرب 2500 ب 15 لحساب عدد تلك المشاريع التي دُشِّنت في أعياد 22 مايو طوال 15 سنة. النتيجة 37500 مشروع، أو 37000، والزايد لهم. لا يبقى إلا المشاريع التي تُدشَّن في الأعياد الوطنيّة الأخرى: 26 سبتمبر، 14 اكتوبر، 30 نوفمبر... والتي لا تبخل صحيفة الثورة أثناءها بعناوين كبيرة حول تدشين مشاريع تنموية جديدة بنفس المقدار. لِحساب ذلك يكفي ضرب الرقم 37000 بأربعة (لأخذ الأعياد الثلاثة الأخرى بعين الإعتبار). أو لنترك الزايد لهم دائما ونضرب ذلك الرقم بثلاثة فقط كون 22 مايو هو عيد الأعياد كما يقولون، وعدد المشاريع التي تُدَشَّن فيه أكثر نظريّاً من كلِّ الأعياد الأخرى... ذلك يعني أن عدد المشاريع وصل إلى 111000 مشروع تنموي منذ 15 عام. لِنقل 100000 مشروعاً تنمويّاً فقط تاركين الزايد لهم مرّة أخرى أيضاً. لستُ أدري وأنا أشاهد هذا الرقم إذا وجدت مَقصَّات وأشرطة كافية لتدشين المشاريع التنموية في هذا البلد!

لِنواصل الحساب: إذا أهملنا خلاءات اليمن وقفارها التي لم تتغير منذ فجر التاريخ، وأخذنا فقط الكيلومترات المربَّعة من مساحات المدن والأرياف التي بإمكانها أن تحتضن المشاريع التنموية، فلسنا بعيدين عن الصواب إذا قدّرنا مساحتها بألف كيلومتر مربع مثلاً، والزايد معهم. ذلك يعني أن كلَّ كيلومتر مربع شهد منذ الوحدة مائة مشروعٍ تنمويّ.

لينظر كلُّ واحدٍ منا في الكيلومتر المربع الذي يسكنه وليتساءل أين هي ال 100 مشروعٍ تنمويٍّ جديد منذ 15 سنة التي تتزاحم وتتناطح أمامه وتمنعه من المشي والحركة؟ كيف يتجرأ حكّام هذا البلد باستغباء هذا الشعب (لا أظن أن الإمام أحمد كان يتجرأ بالاستخفاف بشعبه إلى هذا الحدّ!) لاسيّما وأنه إذا كان هناك رقمٌ واحدٌ يجب حفظه عن ظهر قلب، من كل صغير وكبير، من كل طالب ومدرس، من كل عضوٍ في الحزب الحاكم أو معارض، فهو هذا الرقم:

149 من 177

أي رقم اليمن في قائمة مؤشر التنمية البشرية، لعام 2004، التي تنشرها الأمم المتحدّة سنوياً: أهمّ الأرقام قاطبة لأنهُ يلخّص وحده كلّ المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية لحياة الإنسان: مستوى الدخل، التعليم، الصحة...

لهذا السبب بالذات صارت اليمن عالمَ ثالث العالم العربي، كما يقال، لاسيما وأنها تأتي بعد السودان بعشرة دول في قائمة الأمم المتحدّة تلك! أعترف هنا أنه بفضل وجود اليمن في أسفل تلك القائمة توسَّعَتْ معلوماتي بالجغرافيا، لأني عرفت بوجود دول لم أسمع اسمها قبل ذلك اليوم: سيراليون، بوركينا فاسو، مالاوي، بنين، رواندا... عفواً، سمعت كثيراً عن رواندا بعد المجازر الدامية التي عرفتها في السنوات الأخيرة فقط...

المعجزة اليمنية الكبرى هي أن هذه الدول المجاورة لليمن في أسفل تلك القائمة الدوليّة لا تمتلك ثروات طبيعية اقتصادية وسياحية مثل اليمن التي أنعمت عليها السماء أيضاً، بالإضافة إلى ذلك، ببترول يستخرج بكميات محترمة أدرَّ عليها بعشرات المليارات من الدولارات منذ الوحدة اليمنية!... الدول المجاورة لليمن في تلك القائمة ثرواتها الوطنية الموز أو اللوز أو النارجيل أو الجلود... التي لا تسمن ولا تغني من جوع بالتأكيد.

يكفي النظر للتقرير السنوي الضخم للأمم المتحدّة الذي يُعِدُّه مئات الخبراء حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكل دول العالم. يُقدَّم التقرير مدعوماً بخرائط جغرافية تضم جميع دول العالم، تُلوَّن فيها كل دولة بلون خاص حسب قيمة كلِّ مؤشر اقتصادي أو اجتماعي فيها: يكون اللون أخصراً مثلاً إذا كان مستوى الدولة عالياً بالنسبة للمؤشر، يتدرَّج نحو الأحمر إذا كان هابطاً، ثمَّ إلى الأحمر جدّاً... على سبيل المثال لون فنلندا في تلك الخارطة أخضرٌ جدا فيما يتعلق بمؤشر وفاة الأطفال بعد الولادة فيما لون اليمن أحمرٌ جدَّاً.

يكفي رؤية كلِّ خارطة من هذه الخرائط لملاحظة أن قلب اليمن يقع في يسارها! أقصد أن لون اليمن بالنسبة لكل المؤشرات: مستوى الدخل الفردي، الصحة، التعليم، وفاة الأطفال بعد الولادة... لايشبه من قريب أو بعيد الدول المحيطة بها على يمينها وشمالها من دول الجزيرة والخليج. فيما هناك تطابق تام في كل لون مع الدول المجاورة لها على يسارها، في الضفة الأخرى من البحر الأحمر، لاسيما الصومال.

يكفي النظر لتلك الخرائط للشعور بالاستغراب الشديد أمام محاولة اليمن للإنضمام إلى مجلس التعاون الخليجي! لا يوجد أي قاسم اقتصادي أو اجتماعي مشترك مع تلك الدول. لون اليمن وألوانها شديدة التنافر في كل خارطة. بينما كل شيء يُوحِّدُ اليمن بالصومال. دون الحديث عن القات ودور القبيلة والفساد والوضع الإداري الذي يتطابق تماماً في كلا البلدين! يكفي الوصول إلى مطار صنعاء ومطار مقاديشو للشعور أن هاذين البلدين توأمان روحيان تماماً، يخفق قلباهما بنفس الايقاع، لا ينقصهما إلا التنافذ، التنسيق المشترك، الوحدة. غير أن الوصول إلى مطار دبي مثلاً يشعرك أنك تحيى في عالمٍ آخر...

بالإمكان بالطبع تقديم طلب بالانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي أو إلى الإتحاد الأوربي أو إلى تجمعات جنوب شرق آسيا أو القارتين الأمريكيتين... بالإمكان تكرار ذلك الطلب كل عام أيضاً، كل يوم... غير أن النتيجة بديهية ومعروفة مسبقاً. العجب لا يكمن إلا في تكرار الطلب، كما يقول الحاج الرُّديني!

أما بناء مجلس تعاون يمني-صومالي فهو مشروعٌ واقعيٌّ، منطقيٌّ، عمليٌ، مفيدٌ ومُلِح... الصومال ستوافق على التو. ليس لأن كلَّ شيء يجمع في الجوهر اليمنَ بالصومال فحسب، بل لأن هذا المحور سيربك العالم! سيثير اهتمامه ودعمه! هذه القوة الإقليمية الجديدة المملوءة بملايين الجياع والمُدَوِّخين ستجذب رفق العالم ورأفته. ثمّة من سيدعمها أيضاً بسبب هَوَسِ الخوف من الإرهاب الذي يتشابه وجوده في اليمن والصومال. سيهتمُّون بالمعسكر اليمني-الصومالي بشكل خاص، وسيدعمونه مئات أضعاف دعمهم الحالي، لأن ذلك يعني بالنسبة لهم تطويق بؤرة كبيرة للإرهاب والجوع والفوضى الدولية وإخمادها في المركز. عدم الإهتمام بالمحور اليمني-الصومالي يعني ترك محور الجوع والإرهاب وسوء التنمية يرتع ويمرع، ينمو ويزدهر، ويخلق سرايا من فاقدي الأمل والإنتحاريين. سيتحدّثون سريعاً عن إعادة إعمار اليمن والصومال... (المعجزة اليمنية الثانية هي أن بعض الخبراء يتحدَّثون في السنوات الأخيرة عن إعادة إعمار اليمن، مثل إعادة إعمار افغانستان والصومال والعراق، دون أن تجتاحها وتُخرِّبها مثل هذه الدول حربٌ أهلية أو إستعمارية...)

لعلَّ مجلس التعاون اليمني-الصومالي هو فرصة اليمن السانحة! ربما كان ذلك مدخلاً لتطوُّرها أفضل من المداحشة في لقاءات قادة العالم، للوصول بجانب قادة أمريكا وروسيا مباشرة. وكأنه يكفي التقاط صورة بجانبهما، في قلب أو في واجهة قادة كلِّ دول العالم الأخرى، للشعور بأن اليمن صارت دولة عظمى أيضاً...