وداعاً سلطان المماليك!

حبيب عبدالرب سروري

 

1) الفساد هرمٌ تزداد قتامته في رأسه

الجميع في اليمن يتحدَّثُ عن الفساد ويسبُّهُ ليل نهار، بمن فيهم كبار الفاسدين! لا شيء أفضل لبقاء الفساد وازدهاره من هذه الفوضى والضبابية المتعمَّدة عند الحديث عنه. بإمكان موضوع الفساد، مع ذلك، أن يصير محدَّداً جداً، لأنه موضوعٌ درستْهُ العلوم الاجتماعية بعمق. للفساد، في الدول التي ينخر فيها، قانونٌ يشبه قانون الجاذبية: للفساد بنيةٌ هرميّةُ الشكل. يزدادُ لونُ الهرم قتامةً كلما اقتربنا من رأسه!. لنأخذ على سبيل المثال فقط: العمولات (الكوميشن). في كل الدول الفاسدة تزداد حصّة عمولة المسئول الفاسد وتزداد ضرورة إشراكه في كلِّ عمولة دسمة بازدياد أهميّة موقعه في هرم السلطة...

في الدول التي تحارب الفساد حقّاً، إذا تمت البرهنة على أن رئيساً أو وزيراً أو مسئولاً حكوميا أخذ عمولة، حتى قبل سنوات من تعيينه، فمصيره السجن، قبل أن يترك النشاط السياسي بشكلٍ نهائي. نسمع جميعاً عن أكثر من وزير في هذه الدولة أو تلك يقبع حالياً في السجن لأنه أخذ عمولة في السبعينات من القرن المنصرم مثلاً!... ماذا عن اليمن؟ ألا ينبغي أن تبدأ محاربة الفساد فيها بإعداد سجلّ العمولات لإحصاء قوائم من نهبوا أموال هذا الشعب الجائع باسم العمولات والاعتمادات الإضافية وحزمةٍ متنوعّة أخرى من وسائل السطو والغنائم واللصوصية؟ ألم يصبح المسئول الكبير الذي لا يأخذ عمولةً في يمنِ اليوم كالقابض على جمر؟ مَنْ مِنْ كبار قادة اليمن سينال شرف عدم ذكر اسمه في سجل العمولات، عدا نفر قليل جدّاً مثل إبراهيم الحمدي، وفرج بن غانم، وفيصل بن شملان؟...

2) المماليك والتتار وعين جالوت:

أضحكني مرشح الحزب الحاكم، في خطابه في محافظة الحديدة في 6 سبتمبر، وهو يقول: أيها الإخوة لقد كنت رافضاً رفضاً تاماً للترشيح وللقبول في الترشيح (يقصد "بالترشيح")، ولكن عندما رأيت التتار قادمون (يقصد "قادمين") قبلتُ بترشيحي لرئاسة الجمهورية. أي أن سبب إعادة ترشيح نفسه لم يعد دموع الأطفال والنساء والشيوخ كما قال في خطابه في صنعاء عقب المؤتمر الاستثنائي للحزب الحاكم، قبل أشهر، بل لأن الانتخابات والحياة السياسية اليمنية كما يراها تشبه معركة عين جالوت بين المماليك والتتار...

لعلّ مرشح الحزب الحاكم شعر أخيراً (وله كل الحق في ذلك)، أن عبارة دموع الأطفال والنساء والشيوخ كانت مهزلة حقيقية. ليس لأنه لم يعد هناك من الرؤساء العرب من يجرؤ اليوم على استخدام اسطوانات عتيقة كهذه. بل لأن إدخال النساء في نفس السياق مع الأطفال والشيوخ قد توقّف استخدامه رسميّاً منذ قرون في كل الخطابات الرسمية. لا أدري لماذا لم تُستفزّ رئيسة إتحاد نساء اليمن التي تعرف أن المرأة تمتلك، بيولوجيَّاً، نفس كميَّة ذكاء الرجل وملكاته الذهنية، تقود دُوَلاً وجيوشاً، تنالُ جائزة نوبل (مرّتين في نفس العُمر أحياناً!)... أسألُ أيضاً: ودموع الرجال لماذا يُستهانُ بها؟... كلُّ الدموع الرجالية لِلمطبلين للفساد والاستبداد الذين توسّلوا إليه أن يعيد ترشيح نفسه في تلك المسرحية الهزيلة، مثل: رئيس جامعة الحديدة، وهشام السقاف، ورئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ورئيس اتحاد الصحفيين... أليس لتلك الدموع الرقراقة المنافقة أية قيمة؟...

الحقّ أني فضّلتُ كثيراً عبارة الحديدة! لسبب بسيط: لأنها وحدها تُلخِّص بشكلٍ كارثي العقلية التي تحكمُ اليمن...

3) حان وقت التغيير!

يصعب أن أصدِّق أن نظاماً تجرّأ قبل حوالي سنة فقط على إخراج الدبابات وإطلاق الرصاص الحيّ على مسيرات الجياع ضدّ الجرعة الأخيرة (التي مات خلالها 37 مواطناً، حسب الإحصاءات الرسمية المستهينة بأرواح البشر)، وعلى كل المسيرات الشعبية ضدّ الغلاء وارتفاع المعيشة منذ بداية التسعينات، بإمكانه عدم تزوير نتائج هذه الانتخابات الرئاسية، حتى إذا نال مرشّح المعارضة فيها أكثر من 70 في المائة من الأصوات. أية قطيعةٍ في سلوك رموز هذا النظام حصلَتْ منذ سنة لِتضمن عدم التزوير؟ من حُوكم أو حتى تعرض لتحقيق ولو كان شكليا، ممن أمروا بإطلاق النار على المسيرات خلال السنوات الماضية، حتى يمكننا الشعور بأن ثمة تغيُّراً ما باتجاه النزاهة واحترام الإنسان في سلوك قادة اليمن، وأملاً في إمكانية عدم تزويرهم للنتائج؟...

هل يعني ذلك أن التصويت غير مجد في هذه الانتخابات؟ بالعكس! التصويت ضرورةٌ للتعبير الحر عن بديهيّةٍ تعرفها كل الدول التي اختارت طريق التقدم: حان وقت التغيير!... عندما يقبع أي حاكم أكثر من عشر سنوات فقط، أو خمس عشرة سنة في الحالات الاستثنائية جدّا، يتحوَّل بالضرورة إلى عائق للتقدّم. بعد أشهر، على سبيل المثال، سيسقط توني بلير من حكم بريطانيا لسبب بسيط: عشر سنوات تكفي! هذه هي الطبيعة الإنسانية في أي مكانٍ وزمان: السلطة مغريةٌ دائماً لأي إنسانٍ كان، وديمومتها تؤدي بالضرورة إلى المحسوبية والنهب والفساد، أيا كانت عفّته ونقاؤه وصلاحه وثقافته وعلمه...

ناهيك أن اليمن في حاجة خاصّة وماسّة اليوم إلى رئيسٍ مُتعلِّمٍ يحكمها (يجب أن نجرؤ على المصارحة بهذه الضرورة الجوهرية القصوى إذا أردنا فعلاً أن لا نقبع دوماً في الحضيض وأن لا نظلَّ مهزلةً يسخرُ منها العالَم!)، له مشروع مدنيٌّ حضاري، لا يختزل العلاقة بالآخر إلى صراع المماليك والتتار، ولا تهرول اليمن في عهده خلال ثلاث سنوات فقط من 144 إلى 151 في قائمة التنمية البشرية، ولا يتحوَّلُ اليمن في عهده إلى أرضٍ لا يصلها سائح واحدٌ تقريباً، في حين أن دولة مثل تونس، تمتلك شذراتٍ قليلة من مقومات اليمن السياحية دون أن تملك بترول اليمن، تجذب عشرة ملايين سائح سنوياً، وتتقدم على اليمن بحوالي مائة دولة في قائمة التنمية البشرية!...