العبوديةُ تلتصقُ في كرات دمهم الحمراء، وأكسيدُ السلاسل

 

حبيب عبدالرب سروري

 

(لصلاح الدين الدكاك...)

 

(1) مدخل: في تمجيد الـ«لا»

«لا» لغة الروحِ، العلمِ، الإنسانِ، الحرية.

«نعم» لغة الجسدِ، الجهلِ، الخروفِ، الخضوعِ والعبودية.

«لا» أقدسُ الكلمات، وأصعبُها أيضاً: كي تقول «لا» يجبُ أن تدرك تاريخَ ما ترفضه، كيف وُجدَ ولماذا يراوح. يلزمك أيضاً أن تمتلك مشروعاً بديلاً تواجههُ به. ينبغي أيضاً أن تكون شجاعاً، حرّاً... كي تقول «نعم» يكفي أن تغمضَ عينيك وتُكرَّ ملتصقاً بالقطيع...

تاريخ العلم والحريّة ليس أكثر من سلسلة من اللاءاتِ والرفضِ والقطيعةِ مع مفاهيم، مسلَّمات، علاقات، عادات وتقاليد...

كل من صنعوا التاريخ من عظماء وعلماء وأنبياء لم يقولوا أكثر من «لا». العبد والعاهرة والسفّاح والسيّاف لا يردِّدون غير «نعم»...

في مدرسة الغرب يتعلمُ الطفل منذ أوّل أيامه أنه لا يصير إنساناً إلا عندما يقول «لا». يتعلّمُ منهجيّةَ الـ«لا»، تقديسَ الـ«لا». في المدارس العربية لا يتعلّم، منذ أوّل أيامه إلى آخرها، إلا أن يقول «نعم»... نموذجهُ في الحياة ذلك الإنسان الذي، كما قال الفرزدق:

ما قال «لا» قطُّ إلا في تشهُّدِهِ  

                  لولا التشهُّدُ كانت لاؤهُ «نعمُ»...

 

(2) عن خالد وحوارييه ومقال صلاح الدين

لنسأل أنفسنا بصراحة: كم عدد قضايا الاتهام وملفات المحاكم التي بمقدور المرء تحمُّلَها قبل أن «يُلَصِّص» (أو يهرب كما هرب من المنكرِ والاستبدادِ والتسلُّط كلُّ العظماء والأنبياء وصانعو التاريخ): 4 قضايا، 5 بالكثير؟... لا أعرف. «مايسترو الثوري» ومهندس أروع فضاءٍ صحفيٍّ يمنيٍّ تعدُّديٍّ حر في السنوات الأخيرة، خالد سلمان، ضرب رقماً قياسيّاً أولمبيَّاً يرتفع لِمستوى فولاذيّتهِ ومقاومتهِ للقمع والإرهاب والفساد: 14 قضية!... (من يستطيعُ تجاوزَ ذلك؟...)

له أهدى صلاح الدين الدكاك مقالاً تأمليّاً رائعاً في عدد 23 نوفمبر 2006 من صحيفة الثوري أعادت نشرَهُ نيوزيمن. تساءل صلاح الدين عن جدوى الكتابة عندما «تدير ظهرك للجلاد، وتنصرف نحو الضحية»؟ حينها «لا تأمن سياط الأول ولا تفوز بودّ الثاني» لأنه (أي الثاني) «مشغولٌ بجوعه وعبوديّته»...

فعلا، أيها العزيز: الضحية أسير ثقافة «تقديسِ الجلاد وتدنيسِ الضحية»! كيف يمكن حلُّ معادلةٍ شائكةٍ عويصة كهذه؟ لو لم تكن هذه المعادلة بتلك الصعوبة السيريالية الخارقة لَتهاوى الجلّادون بدقائق...

ومع ذلك، ها أنت تكتب، عزيزي صلاح الدين! أليس في ذلك نبلٌ أرستقراطيّ، نِعمةٌ لَدُنيَّة، ثراءٌ إلهيٌّ لا تنفردُ بهِ إلا صفوةُ الصفوة؟ أليس ثمّة عظمةٌ وروعةٌ ستجد صعوبةً كبيرةً في سترِ عورَتِهما؟...

انظر للضحية عندما تلتصقُ العبودية بكرّات دمه الحمراء ويستفحلُ في عصبونات دماغهِ أكسيدُ السلاسل! يرى أنه يحق للجلاد أن يختار أغدر الفخاخ للإطاحة بالضحية (يُزعجُ الضحيّةُ التذكيرَ بسلسلة هذه الفخاخ. يُعجبُ، من يدري؟، بِدهائها في قرارةِ نفسه...) لكن لا يحق للضحية الهروب من الجلاد دون طلب إذنه! ليس من حقِّهِ حتى «أن يختار شكل موته» كما قال خالد. لا يجوز له أن يقطعَ رزقَ من كلَّفهُ الجلّادُ مسبقاًً «بكتابة خطاب النعي»، حسب تعبيرٍ استلهِمُهُ من مقالٍ للرائعة نبيلة الزبير في صحيفة التجمع...

انظرْ أيضاً لمقالات الكاتب عندما يكون مطيّةً للجلاد! اقرأْ عنوان أيّ مقالٍ له! اكتبْ ملخَّصاً لتفاصيل ما تتوقعُهُ في المقال بعد مجرَّدِ قراءةِ العنوان فقط. قارنْ بين ملخصك والمقال. لن تكون، أغلب الظن، بعيداً جداً عن محتوى مقالهِ فقرةً فقرة!... يكفي غالباً عرضُ خمسة من مقالات الكاتب لكمبيوترٍ (مدجَّجٍ بعلوم «الذكاء الاصطناعي» المستقبلي) ليستخلصَ هذا الكمبيوترُ بكلِّ سهولة النموذجَ الشخصيَّ لِخطاب الكاتب، وليؤلِّفَ مقالات الكاتب بدلاً عنه حتى آخر عمره، وبعد مماته أيضاً! (ملحوظة: قد يتطلّب الأمر إدخال ثمانية أو تسعة مقالات لبعضٍ من أكثر الكتّاب المطايا ثقافةً وتمكّناً وتجربةً وتلوُّناً وسوقيّة).

 

(3) بينك وبينهم برزخٌ يفصل الحرّ عن العبد، اسمهُ اللانهاية

سأقول لك الآن لماذا تكتب عزيزي صلاح الدين! لأن كل كمبيوترات الدنيا لن تستطيع يوماً أن تكتب مقالاتك بدلاً عنك. مقالاتُك يكتبها إنسانٌ يفكِّرُ بحريّة، ينتقدُ ويرفض، يمارسُ فلسفة الـ«لا»... هذه مشكلتها! لا بديل لصلاح الدين إذن إلا صلاح الدين...

تتلوّى مع ذلك في مقالك الأخير، عزيزي صلاح الدين، ظلالٌ يائسة. قلتَ: « لقد تنازلت للجوعى عن نصف رغيفي وللمشردين عن نصف فراشي، وحاولت- كطفل ساذج- تضميد نزيف البلد بالورق الأبيض.. ثم ماذا؟!.. لا الجوعي شبعوا ولا المشردون ضمهم سقف، ولا انقطع نزيف البلد. ولا أنا ندمت وانكفأت. وذلك هو مرضي الذي لا أسأل السماء أن أتعافى منه.»

ليستفحلْ مرضُك أيها العزيز وليَدُمْ طويلاً ما حييت! يكفيك سعادةً أن تستطيع كتابةَ فقرةٍ كهذه تتحدّثُ فيها عن نفسك بهذا السمو الباذخ الذي يليق بروعتك... أنتَ ربُّ فقرتك ومقالاتك، تنتشرُ فيها كإلهٍ يملأ كونَه... مقالات المطيّة، بالمقابل، فارغةٌ تماماً منهُ كَذاتٍ، كإنسان. لأن الخادمَ لا يرفعُ صوتَهُ أمام سيِّده. يُقضّي كلَّ مقاله مُفخِّماً مُعظِّماً حضرةَ الجلّاد... أحد أولئك الكتاب المطايا ضرب الرقم القياسي: أكثر من 14 تفخيم للحاكم في صفحةٍ واحدة! (تجاوز فيها عدد قضايا محاكم خالد. لِكلٍّ رقمُه القياسيّ المفضَّل!)... بينك وبينهم برزخٌ يفصل الحرّ عن العبد، اسمهُ اللانهاية...

ربما كنتَ يائساً إلى حدٍّ ما في مقالك، لكنك فخورٌ جدّاً. تستحق قطعاً هذا الاعتزاز بالنفس. لهذا أنت تكتب. ولهذا نعتزُّ من بعيد بالانتماء لـ«بلدٍ ينزف، تُضمِّدُهُ (أنت والأحرار من أمثالك) بالورقِ الأبيض»...